الحروب المُدارة داخل العالم العربي: أداة سياسية لا خياراً سيادياً ..!!
لم تعد الصراعات المشتعلة في عدد من الدول العربية والإسلامية قابلة للفهم ضمن تفسيرات تبسيطية تختزلها في تنافسات اقتصادية أو مصالح تجارية عابرة. فالتشابه المتكرر في ساحات المواجهة، وطبيعة الأدوات المستخدمة، والغطاء الدولي المصاحب، يكشف مسارًا أعمق وأكثر انتظامًا، يشير إلى استهداف بنيوي لمجال جغرافي وحضاري بعينه، لا إلى أزمات منفصلة أو أخطاء سياسية محلية أو قرارات عفوية معزولة عن سياقها الأوسع.
لقد شاع في الخطاب الإعلامي تفسير الخلافات الإقليمية، بما فيها التباينات بين المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة، بوصفها انعكاسًا لتنافسات تجارية أو استقطابات اقتصادية. غير أن هذا التوصيف يظل قاصرًا، لأن الدولتين تمتلكان من الموارد والثروات ما يجعل من غير المنطقي اختزال اختلاف المسارات السياسية في حسابات ربح وخسارة، أو ردّه إلى طموحات توسعية ذاتية مجردة. نحن أمام نظامين عربيين إسلاميين ينتميان إلى الدين نفسه واللغة نفسها والجغرافيا نفسها، ومع ذلك يتخذان خيارات سياسية متباعدة، بل ومتعارضة، في ملفات إقليمية مفصلية، بما يستدعي البحث في البُنى الأعمق التي تحكم القرار لا الاكتفاء بظواهره.
هذا التباعد المتراكم في الرؤية والأدوات والأولويات الاستراتيجية لا يمكن فهمه بمعزل عن طبيعة السياسات المتبعة على الأرض، والتي تتجلى بوضوح في مسار الحروب الممولة والمسلحة في دول مثل اليمن والسودان وليبيا وسوريا. فالتدفق الكبير للسلاح، والتمويل العسكري المفتوح، والدعم المتواصل لقوى مسلحة خارج إطار الدولة، يشير إلى تبنّي خيار استراتيجي يقوم على إدارة الصراعات لا حلها، وعلى إدامة الفوضى لا احتوائها، بما يحوّل النزاع من حالة طارئة إلى أداة دائمة لإعادة تشكيل المجال السياسي والجغرافي.
في هذا السياق يبرز الدور المتكرر الذي تؤديه الإمارات العربية المتحدة في عدد من بؤر الصراع داخل دول عربية ومسلمة، سواء عبر التمويل العسكري، أو دعم تشكيلات مسلحة موازية لمؤسسات الدولة، أو إدارة ملفات أمنية واقتصادية حساسة في مناطق النزاع. غير أن قراءة هذا الدور بوصفه تعبيرًا عن نزعة عدائية ذاتية أو مشروع توسعي مستقل تظل قراءة ناقصة ومبتسرة، لأنها تفترض إرادة سيادية مطلقة في عالم لم تعد فيه السيادة تُمارَس بمعزل عن منظومات الضغط والتحكم العابرة للحدود.
ولا يكتمل التحليل إذا افترضنا أن هذه السياسات ناتجة عن إرادة حرة بالكامل. فالتجربة الدولية الحديثة أثبتت أن القرار السياسي، حتى في دول كبرى، لا يُصاغ دائمًا وفق القناعات الشعبية أو الخطاب السياسي المعلن، بل كثيرًا ما يخضع لضغوط داخلية معقدة، وآليات تأثير غير مرئية، وشبكات نفوذ مالية وأمنية، وملفات حساسة تُدار خلف الكواليس، وتُستخدم لإعادة توجيه السياسات بما يتعارض أحيانًا مع المزاج العام أو المصالح المعلنة للدولة نفسها.
من هذا المنظور يصبح من المشروع، بل من الضروري، النظر إلى بعض السياسات الإقليمية، بما فيها السياسات الإماراتية، ضمن احتمال التعرّض لضغوط قاهرة غير معلنة، لا يملك صانع القرار المحلي الإفصاح عنها، لكنها تنعكس بوضوح في السلوك الإقليمي، خصوصًا في ملفات تمويل الحروب الأهلية، وإدارة الموانئ والممرات البحرية، ومسارات السياحة العالمية. وهي ملفات لم تعد تُدار بمنطق وطني أو عربي خالص، بل ضمن شبكات نفوذ عابرة للدول تتقاطع فيها مصالح قوى دولية كبرى، وتُعاد من خلالها صياغة الأدوار والوظائف.
الإشارة إلى هذا البعد لا تهدف إلى البحث عن مبررات أخلاقية جاهزة، ولا إلى تبرئة أي طرف من مسؤوليته عمّا يجري على الأرض، بل إلى تفكيك الصورة السطحية التي تفترض أن كل سلوك عدائي هو بالضرورة نتاج إرادة مستقلة خالصة. فالأخطر من القرار الخاطئ هو القرار الذي يُتخذ تحت الإكراه، ويُنفَّذ بوصفه وظيفة ضمن منظومة أوسع لا تملك الدولة فيها هامش الرفض أو الانسحاب.
الاستهداف هنا لا يتخذ شكل حرب دينية تقليدية، ولا يُعلَن عداءه للإسلام بوصفه عقيدة، بل يُمارَس كعملية تفكيك منهجية للمجال العربي الإسلامي باعتباره إطارًا حضاريًا وسياسيًا قابلًا لأن يكون فاعلًا مستقلًا في النظام الدولي. لذلك تُدار الصراعات داخله لا على حدوده، ولا يظهر فيها عدو خارجي مباشر، بل تُنفَّذ بأدوات داخلية وأيدٍ محلية، بما يؤدي إلى استنزاف المنطقة من الداخل بدل مواجهتها من الخارج.
ويتضح هذا المسار بصورة أكثر جلاء عند النظر إلى ما جرى مؤخرًا في اليمن، مع تحريك قوى عسكرية نحو حضرموت والمهرة، وتقدّم قوات محلية مدعومة خارجيًا للسيطرة على مواقع استراتيجية، في خطوة لم تُقرأ بوصفها إجراءً أمنيًا محدودًا، بل كجزء من مسار أوسع لإدارة الصراع وإبقائه مفتوحًا، بما يُنتج واقعًا سياسيًا هشًا قابلًا لإعادة التوظيف في أي لحظة.
وقد تجاوزت هذه التطورات الخطوط التي كانت قائمة داخل ما سُمّي لسنوات بالتحالف العربي. وردّ الفعل السعودي، الذي جاء حازمًا ومباشرًا، كشف حجم التباين الحقيقي في الرؤية والأدوات بين طرفي التحالف بعد أكثر من تسع سنوات من التدخل في الشأن اليمني. هذا الصدام في الرؤية والأدوات أنهى عمليًا وحدة الهدف داخل التحالف، وأظهر أن التنسيق الذي رُوّج له طويلًا لم يتجاوز كونه تلاقي مصالح مؤقت فرضته ظروف مرحلية.
ولا يمكن فصل هذا المسار عن التحولات الجارية في النظام الدولي، حيث تتقاطع السيطرة على الممرات البحرية وخطوط التجارة الحيوية مع إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، بما يضمن تفوق قوى بعينها في محيط مفكك ومفتت، ويحوّل المنطقة إلى ساحة إدارة أزمات لا فضاء استقرار.
وعليه فإن توصيف ما يجري بوصفه حربًا على الإسلام يصبح غير دقيق إذا فُهم بمعناه العقدي المباشر، لكنه يصبح توصيفًا مشروعًا إذا قُرئ باعتباره حربًا على المجال العربي الإسلامي بوصفه مجالًا سياسيًا وحضاريًا قابلًا للتشكل والاستقلال. فالدول التي تُستنزف اليوم ليست عشوائية، بل تقع جميعها ضمن نطاق جغرافي ما زال يُنظر إليه بوصفه قابلًا لأن يكون فاعلًا إن امتلك شروط السيادة والاستقرار.
هذه قراءة لا تنطلق من خطاب تعبوي ولا من انفعال أيديولوجي، بل من رصد نمط متكرر وتحليل لمسار طويل تُعاد فيه صياغة المنطقة على أسس لا تخدم شعوبها، ولا تحترم تاريخها، ولا تُبقي لها حق تقرير مصيرها.
د. علي عبدالله الغيل
جامعة صنعاء
العرب بوست
